علي بن أبي الفتح الإربلي
282
كشف الغمة في معرفة الائمة ( ع ) ( المجمع العالمي )
وركب هواه جامحاً في باطله ، تابعاً لشيطانه ، وملك حبّ الدنيا قلبه فقاده في أشطانه ، وصدفه عن الآخرة فما تخطر على قلبه ولا تجري على لسانه . وبيان ذلك : أنّه قد يغلب على الإنسان هواه عند ميل نفسه إلى أمر ما فيعمي عن الحقّ ويضلّ عن الصواب ويترك الهدى ، كما قيل : « حبّك الشيء يُعمي ويُصمّ » ، فلايزال خابطاً في جهالته ، راكباً لهواه ، متبعاً ميل نفسه ، حتّى إذا بلغ غرضه ونال أُمنِيّته ، وسكنت دواعيه الهائجة ، وقرت نفسه التواقة « 1 » الثائرة ، راجع الحق وعرفه ، ولام هواه وعنفه ، واسترجع وندم ، وأضرب عن ذلك الأمر ونسيه أو تناساه ، وأحبّ أن لا يذكر ولا يجري به الألسنة ، وسكّت من عساه يفيض فيه وبكّته ، وعادى من أعاده وردّده ونكته ، وعرف أنّه كان مخطئاً غير مصيب ، وتعلّل بأنه « 2 » جرى القضاء وفات الأمر ونفذ السهم . وهذا معاوية كان [ من ] أعرف النّاس بفضل عليّ عليه السلام وشرفه واستحقاقه هذا الأمر ومكانه وقرابته « 3 » من النبيّ صلى اللَّه عليه وآله وسلّم فغلب حبّ الدنيا على معرفته ، وترك حظّه من الآخرة ، وفعل ما فعل من حرب عليّ عليه السلام ومناصبته ، وخسر الدنيا والآخرة بما أقدم عليه ، ثمّ هو بعد بلوغه ما أراد وانتقال أمير المؤمنين عليه السلام إلى جوار اللَّه تعالى ، مستمرّ على ما كان عليه ، لا يراقب اللَّه ولا رسوله ، ولا يستحيي من الصحابة ناطقاً بمِلْء فيه : « أما كنت أحقّ وأولى بهذا الأمر من ابن عمّك » ؟ ! ثمّ جعله الدليل على استحقاقه كونه ابن عمّ عثمان ، وهل هذا إلّاجهل محض أو تغاب عن الحق ؟ وقوله لسعد : « لم تعرف حقّنا من باطل غيرنا » استهانة باللَّه ورسوله ، واستخفاف بجلّة الصحابة ، وجرأة على قول المحال ، ثمّ إنكاره ما أورده سعد حتّى سأل عنه أمّ سلمة ، وهذا القول وأمثاله من النبيّ صلى اللَّه عليه وآله وسلّم في حقّ عليّ عليه السلام أشهر من فلق الصباح ، ثمّ حلفه : « أنّي لو سمعت هذا لكنت خادماً لعليّ حتّى أموت » ، وبداية العقول تقتضي كذبه وفجوره ،
--> ( 1 ) تتوّق إلى الشيء : تشوّق . ( المعجم الوسيط ) . ( 2 ) ن : بأن . ( 3 ) ق : ومراتبه .